أبي منصور الماتريدي
412
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كأنها لم تكن ، ثم يعيدها بعد ما أتلفها « 1 » حتى لو أراد [ أحد أن يميز ] « 2 » بين الأولى والثانية لم يقدر عليه ، بل وقع عنده أن الأولى هي الثانية ، والثانية هي الأولى ، وهذا بعد ما تلفت الظلمة الأولى ، وذهبت كلها حتى لم يبق منها أثر ؛ فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعد ما أفناهم ، وقد بقي من آثار الخلق الأول بعضه - أولى . ثم أضاف ذلك إلى السماء ؛ لأن بدأ هما يظهر من عندها . وقوله - عزّ وجل - : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها قالوا : بسطها : فمنهم من يقول : خلقها مجتمعة ، ثم بسطها بعد ما خلق السماوات ؛ ألا ترى أنه قال : دَحاها ، ولم يقل : خلقها . ومنهم من ذكر أنه خلق سماء الدنيا أولا ، ثم خلق الأرضين بعد ذلك ، ثم خلق السماوات الست من بعد . ومنهم من ذكر أنها كانت قبل أن تبسط تحت بيت المقدس ، ثم بسطها بعد ذلك . قال أبو بكر : هذا لا يحتمل ؛ لأنه لا يجوز أن تكون بجملتها وسعتها تحت بيت المقدس ، والله أعلم . ولكن معناه عندنا - إن كان على ما قالوا - [ فهو ] منصرف إلى الجوهر ؛ أي : الجوهر الذي خلق منه الأرض كان هنالك ، لا أن كانت بجملتها تحته ؛ كما خلق هذا الإنسان من النطفة وإن لم يكن بكليته في النطفة ، وخلق من التراب وإن لم يكن بكليته على ما هو عليه في التراب ، وكان معناه : أنه خلق من ذلك الجوهر ؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكره . ومنهم من زعم أن خلقهما كان « 3 » معا . وذكر عن الحسن أن الأرضين خلقت قبل السماء بقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ . . . [ البقرة : 29 ] ، وقال في موضع آخر : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] ، وقال : اسم السماء ما ارتفع من الشيء كما يقال للسقف : سماء ؛ لارتفاعه عن الإنسان . وقوله - عزّ وجل - : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها : ذكر ما أنشأه لنا ؛ لنحمده ، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم - أيضا - لنشكره ونحمده عليه ؛ إذ الدواب خلقت لنا ، فما رجع إلى منافعها فهي راجعة إلينا ، إذ بها ما نصل إلى الانتفاع بالدواب .
--> ( 1 ) في أ : بلغها . ( 2 ) في ب : إحداث تمييز . ( 3 ) في ب : كانا .